عمر السهروردي
236
عوارف المعارف
عن هذه الأمة المرحومة ، قال : أمة محمد عليه الصلاة والسلام ، علماء حنفاء أتقياء حلماء أصفياء حكماء كأنهم أنبياء ، يرضون منى بالقليل من العطاء ، وأرضى منهم باليسير من العمل ، وأدخلهم الجنة بلا إله إلا اللّه ، يا عيسى هم أكثر سكان الجنة ، لأنها لم تذل ألسن قوم قط بلا إله إلا اللّه كما ذلت ألسنتهم ، ولم تذل رقاب قوم قط بالسجود كما ذلت رقابهم . وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضى اللّه عنهما قال : إن هذه الآية مكتوبة في التوراة يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً « 1 » وحرز للمؤمنين وكنزا للأميين ، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ، ليس بفظ ولا غليظ ، ولا صخاب في الأسواق ، ولا يجزى بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح ، ولن أقبضه حتى تقام به الملة المعوجة بأن يقولوا لا إله إلا اللّه ، ويفتحوا أعينا عميا ، وآذانا صما ، وقلوبا غلفا . فلا يزال العبد في خلوته يردد هذه الكلمة على لسانه ، مع مواطأة القلب ، حتى تصير الكلمة متأصلة في القلب ، مزيلة لحديث النفس ، ينوب معناها في القلب عن حديث النفس ، فإذا استولت الكلمة ، وسهلت على اللسان يتشربها القلب ، فلو سكت اللسان لم يسكت القلب ، ثم تتجوهر في القلب ، وبتجوهرها يستكن نور اليقين في القلب ، حتى إذا ذهبت صورة الكلمة من اللسان والقلب لا يزال نورها متجوهرا ، ويتخذ الذكر مع رؤية عظمة المذكور سبحانه وتعالى ، ويصير الذكر حينئذ ذكر الذات ، وهذا الذكر هو المشاهدة والمكاشفة والمعاينة ، أعنى ذكر الذات بتجوهر نور الذكر ، وهذا هو المقصد الأقصى من الخلوة . وقد يحصل هذا من الخلوة لا بذكر الكلمة ، بل بتلاوة القرآن إذا أكثر من التلاوة ، واجتهد في مواطأة القلب حديث النفس ، فيدخل على العبد سهولة في التلاوة والصلاة ، ويتنور الباطن بتلك السهولة في التلاوة والصلاة ،
--> ( 1 ) سورة الأحزاب : آية 45 .